أحمد ايبش
158
دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى
يا لبيني أوقدي النّارا * إنّ من تهوين قد جارا ربّ نار بتّ أرمقها * تقضم الهنديّ والغارا عندها ظبي يؤجّجها * عاقد في الخصر زنّارا قال : فطرب طربا عظيما ، وأخذ رقاقه وقام وترك الغداء ، وجعل ينقر عليها مع حنين . وأخذ كل من على المائدة رقاقه ، وجعلوا ينقرون عليها مثله . ومضى يطلب باب الدّهليز ، وحنين والنّدماء حوله ؛ والحاجب قد جلس ينتظر جلوسه ، وقد حضر وجوه العرب . فلمّا رآه الحاجب على تلك الحال ، صاح بالنّاس : الحرم . . . الحرم ! انصرفوا . . . انصرفوا ! فخرجوا . فقال له : يا أمير المؤمنين ! وفود العرب تنتظر جلوسك ، وأنت تخرج إليهم على تلك الحال ؟ ! فقال : ثكلتك أمّك ! أدخل . ودعا له برطل ، فحلف أنه ما ذاقه قطّ . فقال : واللّه ، لتشربنّ معي حتى أسكر . ولم يزل يسقيه حتى مات سكرا ، وانصرف محمولا . * * * قلت : وهذا الدّير اليوم لا عين له ولا أثر ، وإنّما صار دورا وأبنية ومساجد ومدافن . وهي بناحية محلّة حمّام النّحّاس « 1 » ، واللّه أعلم . وبهذه المحلّة داري التي بنيتها ومساكني « 2 » ، وهنّئتها . ( مسالك الأبصار ، 1 : 349 - 350 )
--> ( 1 ) تسمّى اليوم « جسر النّحّاس » ، شرقي محلّة الرّكنية ( حي ركن الدّين ) . نسبتها لعماد الدّين ابن النّحّاس ( توفي 654 ه ) ، أنشأ بها مسجدا وتربة وحمّاما . الدّارس للنّعيمي 2 : 441 . ( 2 ) حدّد موقع دار ابن فضل اللّه الباحث المجيد الأستاذ زهير ظاظا ، فيذكر ابن كثير وفاته في البداية والنهاية ( حوادث 749 ه ) : « وعمّر دارا هائلة بسفح قاسيون بالقرب من الرّكنيّة شرقيّها ، ليس بالسّفح مثلها » . يدلّ ذلك أن القصر القديم القائم شرقي الرّكنية اليوم على نهر يزيد ( دار الملاطية لي اليوم ) كان أصلا قصر العمري ، تتّصل به بيوت وبستان أميري ( حاكورة « حمو ليلى » ) وأروقة تفضي ردهاتها إلى زقاقين ، وفي حضنه كان مسجد طالوت الذي ذكره ابن عبد الهادي ( ثمار المقاصد : 130 ، 149 ) .